فوزي آل سيف
21
الإمام المهدي : عدالة منتظرة ومسسؤولية حاضرة
وإنما سيتم تناول هاتين القضيتين (الغَيبة الصغرى وسفراء الإمام عجل الله فرجه). ونذكر هنا النقاط التالية: أولا: يعتقد الإمامية أن الإمام الثاني عشر[71]من أئمة أهل البيت محمد بن الحسن العسكري غاب عن الأنظار، في يوم 8 ربيع الأول سنة 260هـ وهو نفس اليوم الذي توفي فيه أبوه الحسن بن علي العسكري عليه السلام[72]، ونفس اليوم الذي تصدى فيه بشكل واضح ورسمي وكيل أبيه ووكيله عثمان بن سعيد العمري للسفارة بينه وبين أتباعه، والنيابة الخاصة عنه. واستمرت هذه الغيبة إلى منتصف شهر شعبان سنة 329 هـ وهي أقل من سبعين سنة بأشهر هذه هي فترة الغيبة الصغرى. وعندما نقول غيبة الامام، فليس المقصود من ذلك هو الاختفاء البدني، بأن ينزل ـ كما زعموا في سرداب ويختفي فيه! أو يكون في بستان ولا يخرج منه[73] ـ ، بل الذي يستفاد من الروايات أنه غيبة عنوان، حتى مع حضور الشخص، بمعنى أن الشخص قد يكون بين الناس يرونه ويراهم ويعاشرهم ويعاملونه، ولكنهم غير مستحضرين لشخصيته وغير عارفين بحقيقته، وهذا ليس خاصا بالامام المهدي عجل الله فرجه، بل حصل لغيره من الأنبياء[74]والأوصياء والأولياء.. فإن النبي ابراهيم عليه السلام عاش في بيت عمه صانع الأصنام، ومع رؤية جنود نمرود إياه ذاهباً وجائياً إلا أنهم لم يكونوا يعلمون أنه بطل التوحيد الذي سيحطم أصنامهم! نعم كانت الفترة الأولى من حمل أمه به ورضاعه وصباه فترة غيبة جغرافية وبدنية فكان مغيبا عن أنظار أهل السلطة [75]. وأوضح من حال النبي إبراهيم، حال نبي الله موسى، فإنه تربى في قصر فرعون زمانه يغاديه ويراوحه في كل يوم، ولا ريب أنه لو كان يعرف شخصيته وما تنطوي عليه نفسه ومستقبل
--> 71 ) يعتقد الامامية أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله مشهورا ، من أن : "الائمة اثنا عشر من قريش " لا تنطبق بنحو صحيح إلا على الأئمة الإثني عشر ( علي بن أبي طالب وولده وهم : الحسن والحسين بن علي سبطا النبي ، وعلي بن الحسين السجاد ، ومحمد بن علي الباقر ، وجعفر بن محمد الصادق ، وموسى بن جعفر الكاظم ، وعلي بن موسى الرضا ، ومحمد بن علي الجواد ، وعلي بن محمد الهادي ، والحسن بن علي العسكري ، والامام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي .. عليهم السلام ). 72 ) الإمام الحسن بن علي العسكري ولد في ربيع الآخر سنة 232 هـ. تولى الإمامة بعد شهادة والده الإمام علي الهادي عليه السلام في سنة 245 هـ. شهد عصره ألوانا من الكبت السياسي والفكري مارسها الحكام العباسيون ضده وضد أتباعه من شيعة أهل البيت ، كان للإمام العسكري دور متميز في حركة الأمة يتمثل في إعداده الأمة لمرحلة الغيبة، وهو في ذلك كان عليه أن يمارس دورا ذا زاويتين حادتين: ـ التمويه على الجهاز الحاكم وإخفاء ولادة الإمام المهدي ـ (عجل الله فرجه)، وكانت المهمة عسيرة إذ جندت السلطة كل أعوانها لمراقبة ورصد ذلك الإمام المنتظر للقضاء عليه. ومن جهة أخرى كان لا بد من التصريح بولادته، بل إظهاره للمقربين من أتباع الإمام ووكلائه. وبعد أن سجن عدة مرات استشهد سنة 260 ، مسموما وعمره 28 سنة. ودفن في سامراء. 73 ) وأبعد من ذلك ما زعمه بعضهم تارة من أنه في جزيرة بعيدة تسمى الجزيرة الخضراء، وأخرى بأنه في مثلث برمودا!! ولا دليل على ذلك كله. 74 ) عرض لبعضها الشيخ محمد بن علي بن بابويه (الصدوق) في كتابه كمال الدين وتمام النعمة ج 1/ 155 ؛ فقد ذكر تحت عنوان خاتمة الأبحاث: بابا في غيبة ادريس النبي، وآخر في غيبة النبي صالح، وثالث في غيبة النبي ابراهيم وخامس عقده لغيبة نبي الله يوسف، ثم غيبة موسى النبي ثم غيبة الأوصياء من بعده.. 75 ) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك 1/ 259 ابن الجوزي: فلما أراد اللَّه تعالى إظهار إبراهيم قال المنجمون لنمرود: إنّا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا، فلما دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إلى كل امرأة حاملة بقريته فحبسها عنده ولم يعلم بحمل أم إبراهيم، فجعل لا يولد غلام في ذلك الشهر إلا ذبحه. فلما وجدت أم إبراهيم الطّلق خرجت ليلا إلى مغارة ثم ولدت إبراهيم فيها وأصلحت من شأنه ثم سدّت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده يمص إبهامه- قد جعل اللَّه رزقه في ذلك.